محمد محمد أبو موسى
245
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ذلك يؤدى إلى اختلال ترتيب الكلام وعدم مطابقته لترتيب المعاني في النفس ، وفي هذا يدرك هذا الفقيه العظيم ترتيب المعاني النفسية ومراتب الأحوال الوجدانية وضرورة ترتيب الكلام على وفقها ونظامها ولكي لا نبعد عن موضوع حديثنا نقول : ان النظم هنا كما في غيره من المواضع هو تأليف الكلام وترتيبه ، وسداد النظم هنا يتطلب منا هذه النظرة النفسية الدقيقة التي تحيط بما تشيعه هذه الآيات المتجاورة وتبعثه نغماتها الحزينة من هذا الفيض الانفعالي الذي ترسله النفس الانسانية في انسياب وتتابع حينما تواجه هذا المصير المحتوم ، ثم أن الزمخشري يرى أن نظوم الكلام المختلفة توضع بإزاء معان تركيبية مختلفة ويرتبط كل نظم من هذه النظوم في هذه اللغة بمعنى ، فأسلوب الكلام ونظمه يوضع لمعنى كذا ، وكما أن الألفاظ المفردة توضع بإزاء معانيها التركيبية ويتبين معناها الخبير بهذه التراكيب الممارس لها ويجب أن يكون أدق وأنفذ ، وأن تكون خبرته أوسع لدقة المعنى التركيبي وخفائه . ولهذا يقع الناس في الخطأ ويفهمون من النظم والأسلوب غير معناه وحينئذ يخرجون الكلام عن دلالاته البلاغية الشريفة . يقول الزمخشري مفصحا عن كل هذا في تفسيره لقوله تعالى : « قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ » « 29 » يقول : « وهذا كلام وأرد على سبيل الفرض والتمثيل وهو المبالغة في نفى الولد والاطناب فيه وألا يترك الناطق به شبهة الا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالا مثلها فهو في صورته اثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيها على أبلغ الوجوه وأقواها ، ونظيره أن يقول العدلى للمجبر : ان كان اللّه تعالى خالقا الكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس باله ، فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون اللّه تعالى خالقا الكفر
--> ( 29 ) الزخرف : 81